أحمد الشرباصي

31

موسوعة اخلاق القرآن

وتوابع ذلك . فهؤلاء في شق ، وأولئك الذين قالوا : لم نعبده طلبا لجنته ، ولا هربا من ناره ، في شق ، وهما طرفا نقيض ، بينهما أعظم من بعد المشرقين . وهؤلاء من أكثف الناس حجابا ، وأغلظهم طباعا ، وأقساهم قلوبا ، وأبعدهم عن روح المحبة والتأله ، ونعيم الأرواح والقلوب ، وهم يكفّرون أصحاب المحبة والشوق إلى الله والتلذذ بحبه ، والتصديق بلذة النظر إلى وجهه وسماع كلامه بلا واسطة . وأولئك لا يعدونهم من البشر ، الا بالصورة ، ومرتبتهم عندهم مرتبة قريبة من مرتبة الجماد والحيوان البهيم ، وهم عندهم في حجاب كثيف عن معرفة نفوسهم وكمالها ، ومعرفة معبودهم وسر عبوديته . وحال الطائفتين عجب لمن اطلع عليه . والقسم الرابع - وهو محال - أن يريد الله ولا يريد منه ، فهذا هو الذي يزعم هؤلاء أنه مطلوبهم ، وأن من لم يصل اليه ففي سيره علة ، وأن العارف ينتهي إلى هذا المقام ، وهو أن يكون الله مراده ولا يريد منه شيئا ، كما يحكى عن أبي يزيد أنه قال : قيل لي : ما تريد ؟ فقلت : أريد أن لا أريد . وهذا في التحقيق عين المحال الممتنع عقلا وفطرة ، وحسا ومعنى ، فان الإرادة من لوازم الحي ، وانما يعرض له التجرد عنها بالغيبة عن عقله وحسه ، كالسكر والاغماء والنوم ، فنحن لا ننكر التجريد عن إرادة ما سواه من المخلوقات التي تزاحم ارادتها ارادته . أفليس صاحب هذا المقام مريدا لقربه ورضاه ودوام مراقبته والحضور معه ؟ وأي إرادة فوق هذه ؟ . نعم قد زهد في مراد لمراد هو أجل منه وأعلى ، فلم يخرج عن الإرادة ، وانما انتقل من إرادة إلى إرادة ، ومن مراد إلى مراد ، وأما خلوه عن الإرادة بالكلية مع حضور عقله وحسه فمحال . وان حاكمنا في ذلك محاكم إلى ذوق مصطلم مأخوذ عن نفسه ، فان عن عوالمها ، لم ننكر ذلك ، لكن هذه